ابن قيم الجوزية
416
شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل
بذلوا أنفسهم له ، فلهم جزاءان ، جزاء في الدنيا بالهداية على الجهاد ، وجزاء في الآخرة بدخول الجنة ، فيردّ السامع كلّ جملة إلى وقتها ، لظهور المعنى وعدم التباسه ، وهو في القرآن كثير ، واللّه أعلم . وقال تعالى : كَذلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشاءَ ( 24 ) [ يوسف ] وقال : وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوى آتَيْناهُ حُكْماً وَعِلْماً وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ( 14 ) [ القصص ] وقال : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيداً ( 70 ) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ( 71 ) [ الأحزاب ] وقال : وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا ( 54 ) [ النور ] وقال : ثُمَّ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ تَماماً عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ ( 154 ) [ الأنعام ] فضمّن التمام معنى الإنعام ، فعدّاه بعلى ، أي : إنعاما منا على الذي أحسن ، وهذا جزاء على الطاعات بالطاعات . وأما الجزاء بالمعاصي على المعاصي فكقوله : فَلَمَّا زاغُوا أَزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ ( 5 ) [ الصف ] وقوله : وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْساهُمْ أَنْفُسَهُمْ ( 19 ) [ الحشر ] وقوله : وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصارَهُمْ كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ ( 110 ) [ الأنعام ] وقوله : إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ بِبَعْضِ ما كَسَبُوا ( 155 ) [ آل عمران ] وقوله : وَقالُوا قُلُوبُنا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا ما يُؤْمِنُونَ ( 88 ) [ البقرة ] وقوله : وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ ( 25 ) [ التوبة ] . وهو كثير في القرآن ، وعلى هذا فيكون النوعان من السيئات ، أعني المصائب والمعايب ، من نفس الإنسان ، وكلاهما بقدر اللّه ، فشرّ النفس هو الذي أوجب هذا وهذا ، وكان النبي صلى اللّه عليه وسلم يقول في خطبته المعروفة : « ونعوذ